Al-Mu’asari of Egypt responds to the question: May Palestinians Recognize the state of Israel?

Religious Authority: 
Osama Muhammad al-Muasari
Websites and Institutions: 
Islam Online

Palestinian Muslims can recognize the state of Israel based on the concept of Fiqh Al-Muwazanat (Jurisprudence of Priorities), which allows Muslims to adhere to a certain diverse principle due to the surrounding circumstances which under usual circumstances would not be permissible. In the case of the recognition of Israel, this conclusion has been based on three factors:
 

1) The practical situation on the ground;

2) Islamic jurisprudence;

3) The hadith (saying and traditions of the Prophet Muhammad.)

1) According to the practical situation on the ground: On the practical side, based on an Arabic saying that "necessity has its own laws," Palestinians should obtain the best possible deal with Israel under the circumstances.

At the same time even though accords might be concluded under duress and must be respected, they do not profess the legitimacy of Israel. Later generations may be able to rectify the wrong.

2) In regards to Islamic jurisprudence: The concept of Fiqh Al-Muwazanat (Jurisprudence of Priorities) applies here. This jurisprudence is concerned with weighing the perceived benefits and harms of alternative approaches to a situation. This method allows Muslims the flexibility to strike a balance between Islamic principles of faith and the realities of a particular situation, without being accused of fomenting fitna (strife) between Muslims.

It is from this principle that the concept Fiqh al tanazulat (Jurisprudence of Concessions) is derived. It is this latter concept that is usually the main point of contention between those who, having analyzed the situation, consider concessions necessary to achieve a greater good for Muslims versus those who totally reject compromise, regardless of the consequences.

3) According to the hadith, the Prophet Muhammad concluded the "Treaty of Hudaybiyyah" in which he made concessions, out of necessity, to the Quraysh tribe for the benefit of the Muslims.

This does not extend to other Muslim countries because they are not under the same duress. Muslim institutions should make a unanimous decision regarding the Palestinians in this situation.

الاعتراف بإسرائيل .. الواقع والفقه الاعتراف بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي حكم عقد الاتفاقيات معهم فقه الموازنات أو التنازلات! صلح الحديبية وفقه (التنازلات) والعبرة من التاريخ سوابق فقهية على هامش المناقشة النتيجة "إن الإخوان لو وصلوا إلى السلطة فسيعترفون بإسرائيل" كانت هذه الكلمات والتي نسبت إلى د/ عصام العريان القيادي بجماعة الإخوان المسلمين في صحيفة الحياة اللندنية بمثابة الزلزال القوي، الذي أثار ردود فعل عنيفة داخل الجماعة والتيارات السياسية الأخرى؛ مما دفع بعض التيارات إلى اتهام جماعة الإخوان المسلمين بأنها تبيح لنفسها باسم السياسة أو باسم فقه الواقع ما تحرمه على الآخرين.. على الرغم من نفي د. عصام لها في تصريحات لاحقة. ونحن بدورنا نتساءل: هل حقا يجوز الاعتراف بإسرائيل تحت مسمى فقه الواقع أم أن هذا الأمر خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه تحت أي ظرف؟! لكننا ننبهقبل الخوض في هذا المضمار على أننا لا نؤسس لأفعال المجاهدين في فلسطين، حيث إنهم المعنيون مباشرة بتلك المسألة، ولكننا نوضح الرؤية الفقهية في ضوء اجتهاد ربما أصاب أو أخطأ، ونوقن بالطبع أن أهل مكة أدرى بشعابها، وأنهم ألصق الناس بقضيتهم، ودركون واقعها الذي ربما لا يحيط به سواهم. ولكي نتحدث عن الاعتراف بإسرائيل لا بد لنا من البحث عن مشروعية الاتصال السياسي بين الدول المتحاربة، حيث إن هذا الاتصال ينتج عنه مجموعة من الآثار القانونية، على رأسها الاعتراف الضمني بين الدول، حسب القانون الدولي العام. الاعتراف بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي هناك فرق بين الفقه الدولي الإسلامي والقانون الدولي العام في مسألة الاعتراف المتبادل بين الدول، وما ينتج عنه من آثار وما يستتبعه من مواقف. فالقانون الدولي العام يحرم الاتصال بالعدو أثناء الحرب، وقد ابتكر طريقة من أجل الأسرى والمفقودين، فجعل الاتصال أثناء الحرب بين المتحاربين من خلال الصليب الأحمر، فقد تم استحداث وحدة خاصة بذلك في تلك الهيئة. أما الاتصال السياسي مع العدو لمصلحة المسلمين في الفقه الدولي الإسلامي يكون في السلم والحرب، بعكس القانون الدولي العام الذي يقره فقط وقت السلم ويمنعه وقت الحرب، فأصبح عرفا دوليا في عصرنا. يقول الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه آثار الحرب في الفقه الإسلامي: "كل ما نعرفه عن سير الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده هو أنهم كانوا يقرون بوجود علاقات مع غير المسلمين من أجل أغراض القتال كالمفاوضات وعقود الصلح وغير ذلك، عن طريق تبادل الرسل والسفراء الذين قرر الإسلام حمايتهم المطلقة". فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى مكة قبل صلح الحديبية، ويقيم فيها ليخبر قريشا أنه لم يأت لقتال أحد، وإنما يريد العمرة ثم العودة إلى المدينة. ثم استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك مندوبي قريش وتفاوض معهم, وقد كان منهم بديل بن ورقاء الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قريشا قد نهكتهم الحرب فإن شاءوا ماددتهم (أي هادنتهم)"، وقد استدل ابن القيم من ذلك على جواز ابتداء الإمام بطلب الصلح من العدو. كما استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة أبا رافع (قبل إسلامه) مبعوثا من قريش, واستقبل رسولي مسيلمة الكذاب وقال لهما: أتشهدان إني رسول الله؟ قالا: نشهد إن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله: آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما، فقال عبد الله بن مسعود: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل. لكن المعلوم أن هذا الاتصال لا يترتب عليه أي أثر في الفقه الدولي الإسلامي، وإن تم بموجبه عقد هدنة مؤقتة مهما طالت أو صلح أو تبادل أسرى أو مفاوضات، بينما ينشأ عنه اعتراف ضمني بين الدول في القانون الدولي العام، لكونه يمنع الاتصال إلا في حالة السلم. وينقسم الاعتراف في القانون الدولي العام إلى نوعين: اعتراف ضمني أو اعتراف بالواقع، ويعني الاعتراف بالوجود السياسي للدولة والاعتراف بكيانها، أي الإقرار بحقيقة وجودها. والنوع الثاني يسمى اعترافا صريحا ومباشرا أو اعترافا قانونيا، ويعني الاعتراف بشرعية وقانونية الدولة وحقها في الوجود. والاعتراف بين الدول يخضع لقرارات حرة، فقد قرر القانون الدولي حرية الاعتراف بالدول ولم يجعلها ملزمة، والتاريخ يحمل في طياته الكثير من صور رفض الاعتراف بدولة ما، مثل امتناع دول الغرب عن الاعتراف بالاتحاد السوفيتي وقتا طويلا، فقد قررت في اجتماع "كان" عام 1922م الامتناع عن الاعتراف بالاتحاد السوفيتي، كما رفضت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بحكومة الصين الشعبية التي كانت تسيطر على مئات الملايين من البشر لمدة خمس عشرة سنة، كما لم تطالب الولايات المتحدة الأمريكية الهنود الحمر بالاعتراف بها سواء ضمنيا أو شرعيا. أما الفقه الدولي الإسلامي فإنه يفرق بين الاعتراف بالوجود والاعتراف بالحق في الوجود، فأما الأول وهو الاعتراف بالوجود، فالفقه الإسلامي يبيح الاتصال مع العدو لأجل المصلحة والتفاوض معه، وبالتالي الدخول معه في هدنة محددة، وما ينشأ عن ذلك من إقرار حالة السلم، والتعامل مع الواقع دون إعطاء أي تنازل عن حقوقه، أو إقرار على شيء. إذا انتهينا إلى تلك النتائج فإن السؤال ما زال يطرح نفسه: هل يجوز عقد اتفاقات مع "إسرائيل" وهي التي تتطلب اعترافا بها، ولو كان اعتراف وجود لا اعترافا بالحق في الوجود؟ حكم عقد الاتفاقيات معهم هناك من يرى أن أي تفاوض سياسي مع العدو الغاصب وأي تسليم له بغصبه ووجوده يعد من باب التفريط والتنازل الذي لا يجوز، فكيف بالاعتراف بـ"دولة إسرائيل"، وبحقها في الوجود والبقاء المستمر؟ وكيف وقد أفتى العلماء وما زالوا يفتون بتحريم التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين؟ كما أن الاعتراف بهذا الكيان الظالم الغاصب يعتبر مصادرة لحق الأجيال اللاحقة ومنعا من تحرير فلسطين عندما تكون قادرة على ذلك. والجواب أن كل ما جاء في هذا الاعتراض حق وصواب، ولكن: 1- للضرورة أحكام، والضرورات تبيح المحظورات، والفلسطينيون اليوم وحدهم في المعركة، وعلى الحال التي وصفت.. فإذا رأوا وقدروا وقرروا أنهم لا قبل لهم في الظروف الراهنة، وإلى أجل غير مسمى، بمواجهة العدو ومن وراءه ومن يحرسونه من حوله، وأنهم لا قدرة لهم في الأمد المنظور على تحرير فلسطين كل فلسطين فلهم أن يجتهدوا ويتصرفوا في حدود طاقتهم. وفوق طاقتك لا تلام، و"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها". إن فتاوى تحريم وتجريم كل تفريط أو تسليم أو تعامل مع العدو يجب أن توجه اليوم إلى حكام العرب والمسلمين، وما عندهم من جيوش مجمدة وأموال مبددة وشعوب مهددة. 2- العقود التي تتم تحت القهر والإكراه والاضطرار لا تعطي الظالم حقا ولا مشروعية، وليست لها قيمة شرعية ولا قانونية، وهي قابلة للنقض والإلغاء في أي وقت، وإنما العقود والعهود التي يجب الوفاء بها هي التي قامت على العدل والإنصاف، وعلى الرضا والاختيار. 3- الأجيال اللاحقة من الفلسطينيين ومن المسلمين ستكون لهم مداخل ومخارج متعددة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل متى استطاعوا إلى ذلك سبيلا، المهم في صنع التاريخ الدولي وتوجيه أحداثه ومساراته هو القدرة والإرادة. 4- مما جرت به الفتوى عند فقهاء الإسلام جواز دفع شيء من الأموال والممتلكات للبغاة وقطاع الطرق لأجل تخليص الباقي وحفظه إذا لم يكن بد من ذلك. 5- ومن الاجتهادات السياسية النبوية التي يسترشد بها في هذا المجال ما فعله صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب حين اشتدت على المسلمين في المدينة وطأة الحصار المطبق الذي تم تنسيقه بين قريش وعدد من القبائل العربية واليهودية. فقام عليه السلام بمفاوضة قبيلة غطفان لينصرفوا ويكسروا الحصار مقابل منحهم ثلث ثمار المدينة، وبرغم أن هذه الفكرة لم تنفذ فإنها دلت -من حيث المبدأ- على مشروعية مثل هذا التدبير عند الضرورة. ويبقى التنبيه أخيرا على أن مثل هذا التوجه إذا كان في نظري سائغا للفلسطينيين ومقبولا منهم إذا قدروه وقرروه بصفة شورية، فإنه لا يجوز ولا يقبل بحال من الأحوال لغيرهم من المسلمين وحكام المسلمين. فلا يجوز لهم مع العدو الغاصب المعتدي صلح ولا اعتراف ولا تطبيع؛ لأنهم - بكل بساطة وبكل يقين - لا ضرورة لهم ولا حاجة عندهم لشيء من ذلك، وإنما هو تخاذل وخذلان وذل وهوان. فقه الموازنات أو التنازلات! إن فقه (الموازنات) واحد من خمسة أنواع من الفقه ينبغي على أبناء الحركة الإسلامية التركيز عليها وفهمها، وهي بالإضافة لفقه الموازنات: فقه المقاصد، وفقه الأولويات أو مراتب الأعمال، وفقه السنن الكونية والاجتماعية، وفقه الاختلاف. وفقه الموازنات في حقيقته مبني على فقه الواقع ودراسته دراسة علمية مبنية على ما يسره لنا عصرنا من معلومات وإمكانات، وآثرنا تسميته في هذا المقام (فقه التنازلات) لسببين: الأول: لأن فقه الموازنات في حقيقته يتضمن تنازلات في بعض الأحيان. الثاني: لأن ما حدث في صلح الحديبية وكذلك ما سيحدث في قضية الاعتراف بإسرائيل هو تقديم تنازلات، وإن كانت في دائرة المساحة المسموح بها شرعا. وهنا لا بد أن نُذكَّر: أولا: إن المواقف التي تصلح لمرحلة (التنظيم) أو ما قبل الدولة، ربما لا تصلح في مرحلة (الدولة)، وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار الهجمة الكبيرة -والتي فاقت كل التوقعات- على حكومة فلسطين، حيث لم يكن أمامها أن تختار بين أسود وأبيض، بقدر وَضْع جملة الخيارات في دائرة فقه الموازنات بين المصالح والمفاسد، أو الموازنة بين جملة من المفاسد، لم يكن أمامها خيار إلا أن تقبل بأقلها ضررا على الشعب والحركة. ثانيا: ليس كل تنازل للأعداء مرفوضًا، وليست كل استجابة لمطالبهم أمرًا منكرًا، والفقه في ذلك تحقيق أعلى المكاسب بأدنى التنازلات، والوصول إلى الخير المحبوب وإن مرَّ ببوابة المبغض المكروه، والموازنة بين المصالح والمفاسد. صلح الحديبية وفقه (التنازلات) نعم صلح الحديبية.. فلدينا فيه مساحة كبيرة نستطيع أن نتحرك من خلالها ونقيس ما سيحدث في قضية الاعتراف بإسرائيل على ما حدث في الحديبية. فالمتأمل في شروط الحديبية يرى فيها الغبن والحيف ظاهرين على المسلمين من الكافرين في إملاء جملة من الشروط وذلك كالتالي: 1- ألم يَمنعوا المسلمين من كتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) وقالوا: لا نَعرفُ إلا رحمان اليمامة، ولكن اكتب: (باسمك اللهم)، فرفض المسلمون ذلك وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم، أليس ذلك تنازلا واعترافا بوجودهم واقعا؟! 2- ثم رفضوا كتابة (هذا ما قضى عليه محمد رسول الله)، وقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: (محمد بن عبد الله)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم بما أرادوا، أليس ذلك تنازلا واعترافا بوجودهم واقعا؟! 4- ومن التنازلات الكبيرة التي قدمها المسلمون من أجل تحقيق مصلحة أكبر في صلح الحديبية، أنهم صُدوا عن المسجد الحرام، فقبل المسلمون بذلك، على أن يعودوا في العام القادم. قال ابن القيم رحمه الله معلقا: (وفي قصة الحديبية من الفقه أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن بشرًا الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو، وأخذه أخبارهم). 5- إن الحدَّة والشِّدة والعنف والتشنج ليست من لوازم القوة، والمسامحة والمهادنة والتعقل والمداراة ليست مؤشرات للضعف، والأمور تختلف بأحوالها، والناجح من وظَّف الموقف المناسب في الوقت المناسب، ومن تأمل هديه صلى الله عليه وسلم ومواقفه في الحديبية وجدها محققة للغرض، وإن غلب عليها المسامحة والمفاهمة. ولذا قال العلماء بجواز بعض المسامحة في أمر الدين، واحتمال الضيم ما لم يكن قادحا في أصله، إذا تعين ذلك طريقا للسلامة في الحال والصلاح في المآل، سواء كان ذلك في حال ضعف المسلمين أو قوتهم. قال ابن القيم رحمه الله: ومن فوائد قصة الحديبية: (أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيمٌ على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما). وهكذا يكون الفقه في التنازلات تحقيق المصلحة الكبرى، وإن وقعت مفسدة أقل، وما أحوجنا إلى هذا الفقه، وهو الذي قال عنه ابن القيم: (وهذا من أدق المواضع وأصعبها، وأشقها على النفس). نعم.. إن رفض الآخر سهل، والقطع بعدم التفاهم والتعاون مع المخالفين لا يحتاج مزيد فقه، ولكن هل يحقق الخير المطلوب، وهل ينكأ العدو، وماذا يترتب عليه من المفاسد؟ تلك قضايا لا بد من إعادة النظر فيها في تعاملنا مع أعدائنا، وتحقيق المكاسب لإسلامنا على هدي السيرة النبوية. والعبرة من التاريخ وفي التاريخ الإسلامي مواقف تحمل من الدلالات ما لا يخفى على طبيعة التعامل مع "فقه الموازنات أو التنازلات"، سلبا وإيجابا، ويسهل على المراجع لها الآن أن يدرك حجم المكاسب والخسائر التي أحدثها هذا التعامل، ويقارن بينها وبين الحالة الأخرى، وكذلك بينها وبين ما يتم الجدل بشأنه اليوم. فمثلا كان القائد صلاح الدين الأيوبي من أكثر القادة المسلمين اتصالا بعدوه، فقد كان دائم الاتصال مع ريتشارد قلب الأسد، وقد عقد معه صلحا سمي صلح الرملة لمدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، تقاسم بموجبه اللد والرملة مع الصليبيين، وجعلت عسقلان بيد المسلمين ولكن منزوعة السلاح. يقول الدكتور حسين مؤنس: (ثم دخلوا في مفاوضات مع صلاح الدين انتهت بعقد صلح (الرملة)، الذي نصّ على أن يترك صلاح الدين للصليبيين شريطا من الساحل، يمتد من صور إلى يافا، وبهذا العمل عادت مملكة بيت المقدس -التي انتقلت إلى طرابلس- إلى القوة بعد أن كانت قد انتهت، وتمكن ملوكها من استعادة الساحل حتى بيروت... وبذلك تكون معظم المكاسب التي حققها صلاح الدين - فيما عدا استعادته بيت المقدس - قد عادت إلى الصليبيين). ويروى أن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ذهب إلى القائد التتري ليتفاوض معه على أسرى المسلمين، فقال له القائد التتري ساخرا: لو علمنا يا شيخ أنك قادم إلينا لأتينا إليك، فقال له شيخ الإسلام: لا عليك فإن موسى وهو خير مني قد ذهب إلى فرعون وهو شر منك! وتمكن من فك عدد من أسرى المسلمين.. أليس هذا اعترافا من ابن تيمية بوجودهم واقعا؟! سوابق فقهية سنظل نؤكد على أن الفتوى في مثل تلك المسائل لا بد أن تخضع لمقاصد الشريعة العليا، ولقواعد الفقه الكبرى، وهذا ما فهمه فقهاء الأمة حينما سئلوا عن بعض المفردات التي تتعلق بتلك القضية. فمثلا: أجاز سماحة الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء المشاركة السياسية في انتخابات الكنيست الإسرائيلي تحت ضابط الضرورة الملجئة، أما في غير الضرورة فلا. يقول سماحته: هذا عمل سياسي تخضع مشروعيته إلى الظروف التي يعيشها إخواننا داخل فلسطين المحتلة، وقد استبد بهم الحكم الصهيوني الغاصب وطرد إخوانهم من بيوتهم واستعصوا هم عن الطرد وأصروا على البقاء، وهذا بلا شك حق لهم وواجب عليهم. أما كيف يتعاملون بعد ذلك مع هذا النظام القائم باعتباره نظامًا غاصبًا محتلاً فهذا يتوقف على ظروفهم وإمكاناتهم. ويتابع: "وإذا كانت السياسة - كما يقول علماؤها - هي فن الممكن، فإنها في نظر الشريعة لا تخرج عن التكليف بالمستطاع، وإن كنت أفضل عدم مشاركة أحد من العرب الفلسطينيين في المنطقة التي احتلت عام 1948 في الحكومة الإسرائيلية ولا في الكنيست، لتظل عدم مشاركتهم شاهدا أمام العالم على التمييز العنصري الذي تمارسه إسرائيل". ويستدرك: "لكن، إذا وجد إخواننا في فلسطين أن قدرًا من المشاركة يمكن أن يرفع عنهم بعض المضار، أو أن يحقق لهم بعض المكاسب، فذلك أمر يقدرونه هم، وهو جائز إذا كانت معه النية الصالحة بالالتزام بالأحكام الشرعية وبمصالح المسلمين". ويختم: "هذا موقف مبدئي تجيزه ظروف الضرورة التي يعيشها إخواننا الفلسطينيون، وإن كنت شخصيا أعتقد أن كل أنواع المشاركة في الحكومة أو الكنيست لا يمكن أن ترفع ضررا أو أن تحقق مصلحة ذات بال". أ.هـ وعن المسألة نفسها يقول الشيخ إبراهيم صرصور رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة 1948 (الجناح الجنوبي): الادعاء بأن خوض الانتخابات البرلمانية في إسرائيل والعضوية في الكنيست فيه تكريس للاحتلال الصهيوني واعتراف عملي بشرعية إسرائيل، ادعاء لا يقوم على أساس، وزعم لا يرتكز على أدلة نقلية أو شرعية أو عقلية، وتجاهل لسنن الله سبحانه في إدارة الصراع بين الحق والباطل. ويتابع: "فأن يعيش المسلمون داخل إسرائيل مستثمرين كل المساحات على محدوديتها وضيقها في سبيل حماية الوجود، وصون الكرامة والحفاظ على الإنجازات، وتجنب هزات وزلازل في مواجهة غير متكافئة وأوضاع عربية وإسلامية بلغت الحضيض، ورأي عام عالمي لم يحرك ساكنا لدفع السكين الإسرائيلية عن الرقبة الفلسطينية التي تذبح يوميا؛ أرى أن هذا ضرورة شرعية من الدرجة الأولى، لا صلة لها مطلقا بقضية الأيديولوجية التي تطمع أن ترى الخلافة الراشدة تعم الأرض في يوم من الأيام، فتغسل وجه الأرض من أدران الباطل مهما كانت هويته". ويضيف: "بل إن الوضع الذي تعيشه الأمة من جاكرتا حتى طنجة ومن فرغانا (آسيا الوسطى) إلى غانا (إفريقيا) دليل على أن باطل أمتنا تجاوز المدى، ولولا ذلك لما سلط الله علينا هذه الآفات التي أذلت كبرياءنا، وزلزلت أركاننا في كل عالما العربي والإسلامي". ويقرر: "من المناسب في هذه المرحلة أن أؤكد أن البرلمان الإسرائيلي ليس هو الرمز السيادي الوحيد للوجود الإسرائيلي، فإن كل شيء في إسرائيل هو رمز لوجودها ولسيادتها مثل الجواز الإسرائيلي، الوزارة الإسرائيلية، الوزير الإسرائيلي، الميزانيات الإسرائيلية، العُملة الإسرائيلية، المطار الإسرائيلي، الشركة الإسرائيلية، والمحاكم الإسرائيلية.. ومن يتعامل مع هذه المؤسسات الإسرائيلية يعتمد على دليلين: الأول: أن التعامل مع كل هذه المؤسسات السيادية الإسرائيلية هو من باب جلب المصلحة أو دفع الضرر. الثاني: أن هذه ليست مؤسسات تشريعية إنما تنفيذية. والجواب على الفرع الأول المذكور: إذا كانت القاعدة هي جلب المصالح ودفع الأضرار فلماذا يستثنى الدخول في البرلمان من هذه القاعدة؟ أما جوابي على الفرع الثاني: إذا كانت كل المؤسسات التي ذكرت هو رموز سيادية وتشريعية وتنفيذية في ذات الوقت، فيكون التعامل معها واحدا لا يتبدل، فلا ينبغي التشدد فيما لا يجب فيه إلا بعد النظر، وتغليب منطق المقاصد الشرعية العامة على النظرات الضيقة والتعصب لرأي واحد في قضية اختلفت فيها الآراء، وتوسعت فيها دائرة الرحمة. وينهي: "فخوض الانتخابات البرلمانية إنما جاء لتحقيق مصالح للمسلمين أو دفع أضرار عنهم، والانتخابات -في نظرنا- ليست غاية في حد ذاتها ولن تكون، إنما هي وسيلة فقط إن اقتنعنا بعدم جدواها، تحولنا إلى غيرها دون أن يرف لنا جفن". على هامش المناقشة كم نُزكي أنفسنا والله يقول: (فلا تُزكوا أنفسكم) [النجم:32]، وكم نصحح مواقفنا ونُخطئ غيرنا، وأحد الصحابة (سهل بن حنيف رضي الله عنه) يقول حين قدم من (صفين): اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل (الحديبية) ولو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت. إن حق المسلم أن يجتهد في رأيه، ولكن مع تقدير آراء الآخرين، وليس بالضرورة أن يكون اجتهاده هو الحق، بل قد يكون الحق مع مخالفيه، ولذا ينبغي ألا يَحمل المسلم على إخوانه، ويُسيء الظن بهم وإن خالفوه الرأي، بل ينبغي أن يعود إلى نفسه ويتهمها، وليست القوة بالمعارضة أبدا، ولا يعني أن المسلم الموافق لغيره ضعيفٌ وجبانٌ. وفي تباين موقف الشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في شروط الصلح ما يؤكد هذا، فعمر تأثر للشروط وعارض، وأبو بكر سلَم ورضي، وكان أقوى من غيره إيمانا وتسليما. قال ابن القيم: (والصدِّيق تلقَّاه بالرضا والتسليم حتى كان قلبه على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على أنه أفضل الصحابة وأكملهم وأعرفهم بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم بدينه وأقومهم بمحابِّه وأشدهم موافقة له). أجل لقد أظهرت الأحداث مآل فعل النبي صلى الله عليه وسلم حتى إن عمر عاد إلى نفسه يؤنبها حتى كان يصوم ويتصدق ليكفر عما سلف منه، بالرغم من أن الذي حدث منه ومن غيره من الصحابة غيرة على الإسلام. وقد فهم رضي الله عنه بعد هو وغيره من الصحابة أن الغيرة ينبغي أن تكون في مكانها، وأن اتهام النفس وارد، وأن التنازل إذا حقق مكاسب عليا فهو السياسة الشرعية والسنة النبوية التي ينبغي أن تقتفى، بل لقد أكرم الله المؤمنين بالنصر العزيز والسكينة المطمئنة كما أخبر في سورة الفتح. قال ابن القيم: (وتأمل كيف وصف سبحانه النصر بأنه عزيزٌ في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب وقلقت أشد القلق، وهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانا إلى إيمانهم). النتيجة وفي النهاية نؤكد أن تلك القضية لا بد أن تخضع لموازين الفقه الإسلامي، وعلى المجامع الفقهية أن تسهم في بلورة رؤية واحدة، تضع الأمور في نصابها، متخذة من السيرة النبوية وأفعال السلف الصالح معينا لا ينضب للقياس عليه. كما نؤكد أيضا على اختلاف الواقع والظروف التي تؤثر في تكييف الحكم الشرعي لهذه القضية بين الفلسطينيين وغيرهم، لذلك ينبغي التفريق في الحكم وفي تنزيله حسب طبيعة المستفتي.. فالفتوى للفلسطينيين ليست كالفتوى لغيرهم. لذلك فإن الحكومة الفلسطينية الحقيقية إذا استمرت الضغوط عليها من أجل الاعتراف بإسرائيل، رغم وثيقة منظمة التحرير وإعلان مكة والهدنة المعلنة من خلال الفصائل، والتي تعتبر حسب القانون الدولي اعترافا بالواقع، ورغم تأكيد الرئاسة على الالتزام بالاتفاقيات، وبرغم مخالفة الحكومة الإسرائيلية للقوانين الدولية وعدم انصياعها لها.. برغم كل هذا فإنها تستطيع إصدار وثيقة تعترف بما يسمى الواقع السياسي لدولة إسرائيل حسب القانون الدولي، وهو نفس الاعتراف الذي أصدرته الحكومة الإسرائيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، دون الاعتراف القانوني المباشر الذي يعطي شرعية للاحتلال، أي الاعتراف بوجوده وليس الاعتراف بحقه في الوجود على أرضنا.